ژان باتيست تاورنيه
60
رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق
في قلوبهم حبا عميقا ، فإنهم بعد أن أبصروا هذا المشهد المفجع ، ولعلمهم أن السلطان أعد العدة لهجوم عام ، لم ينقادوا لخانهم الجديد ، بل ساروا في طريق التمرد والعصيان ، وبلغ من غلوائهم في هذا الموقف ، أن رضوا بتسليم المدينة للترك ، على أن يسمح لهم بالخروج منها بجميع سلاحهم ومؤنهم . غير أن الترك لم يحافظوا على كلمتهم ، إذ ما إن دخلوا المدينة حتى أشار الباشا على السلطان أن يضعف قوة الفرس ، بأن يعمل السيف في رقاب كل الجنود الذين كانوا في المدينة ، فوقعت حينذاك مذبحة ذريعة بلغت ضحاياها زهاء عشرين ألف نسمة ذهبت غدرا . واستولى الترك على دير الكبوشيين ، ولكن السنيور ميخائيل رئيس المدفعية أفلح في إعادته إليهم . أما عن الحكومة المدنية في بغداد ، فليس فيها غير قاض تناط به كل الأعمال ، حتى منصب المفتي ، ومعه دفتردار يتسلم واردات السلطان . وفي بغداد خمسة جوامع : اثنان منها مبنيان بهندسة بديعة ، تزينها قباب مكسوة بالقرميد المدهون ذي الألوان المختلفة . وفيها أيضا عشر خانات بناؤها حقير ما خلا اثنتين منها ينال فيهما المسافرون قسطا من الراحة . وبالإجمال ، إن المدينة ساذجة البناء ، لا جمال فيها ، اللهم إذا استثنينا أسواقها المسقفة ، ولولا ذلك لما استطاع التجار تحمل حرارة الصيف . وترش الأسواق ثلاث أو أربع مرات في اليوم ، يرشها قوم يتقاضون أجورهم من عموم أهل السوق . وتجارة المدينة رائجة ، ولكن ليست بما كانت عليه في أيام ملك فارس . لأنه عندما استولى عليها الترك ، اغتالوا كثيرا من أثرياء التجار . ومع ذلك ، فإن الناس يتوافدون عليها من كل حدب وصوب ، ولا أدري أكان ذلك للتجارة أم للعبادة ، فإن شيعة علي ( Haly ) يعتقدون أن عليا عاش في بغداد « 1 » . ثم إن كل من يرغب في الحج إلى مكة برا ، عليه أن يمر ببغداد ، وعلى كل حاج حينذاك أن يدفع إلى باشا بغداد أربعة قروش . ومما يجدر ذكره ، ان في بغداد مذهبين إسلاميين ، هما مذهب الشيعة ومذهب السنة ، وهؤلاء يشبهون في أحوالهم سكان القسطنطينية .
--> ( 1 ) لا نعلم من أين نقل المؤلف هذا الزعم الغريب ! .